محمد بن وليد الطرطوشي
122
سراج الملوك
طاوس « 1 » ، فدخلنا عليه ، فإذا هو جالس على فرش قد نضّدت ، وبين يديه أنطاع « 2 » قد بسطت ، وبين يديه جلاوزة « 3 » بأيديهم السيوف ، يضربون الأعناق ، فأومأ إلينا أن اجلسا ، فجلسنا ، فأطرق عنّا طويلا ، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس ، وقال : حدّثنا عن أبيك ، قال : نعم ، إنّي سمعت أبي يقول : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه ، فأدخل عليه الجور في حكمه » « 4 » ، فأمسك أبو جعفر ساعة . قال مالك : فضممت ثيابي مخافة أن ينضحني بدمه ، فأمسك أبو جعفر ساعة حتى أسودّ ما بيننا وبينه ، ثم قال : يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة ، فأمسك عنه ، ثم قال : ناولني هذه الدواة ، فأمسك عنه ، ثم قال : ما يمنعك أن تناولنيها ؟ قال : أخشى أن تكتب بها معصية ، فأكون شريكك فيها . فلمّا سمع ذلك قال : قوما عنّي . قال ابن طاوس : ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم . قال مالك : فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم . وقال أحمد بن أبي الحواري « 5 » : سمعت رجلا يحدّث عن ابن السمّاك « 6 » قال : بعث إليّ هارون « 7 » فلما انتهيت إلى باب القصر ، أخذ حرسيّان بضبعيّ « 8 » ، فأعجلاني في دهليز « 9 » القصر ، فلما انتهيت إلى باب القاعة ،
--> ( 1 ) ابن طاوس : عبد الله بن طاوس بن كيسان الهمذاني ، من عبّاد اليمن وفقهائهم ورجال الحديث المشهورين ، والمعروف عن والده طاوس بن كيسان تقشفه وجرأته على وعظ الخلفاء والملوك ، وقد سار عبد الله على نهج والده ، توفي سنة 132 ه ( الأعلام 4 / 94 ) . ( 2 ) الأنطاع والنطوع : مفردها : نطع ، وهو السياط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس . ( 3 ) جلاوزة : مفردها جلواز وهو الشرطي الذي يخفّ في الذهاب والمجيء بين يدي الأمير . ( المعجم الوسيط ، باب : جلز ) . ( 4 ) - والله أعلم - هذا ليس بحديث ، بل هو من كلام الفقيه العابد المحدث طاوس اليماني ، وقد ذكرت هذه الحكاية في كتب التاريخ والأعلام ، فذكرها ابن خلكان في وفيات الأعيان عن عبد الله بن طاوس قال : حدثني أبي قال : ( إن أشد الناس . . . ) . ( وفيات الأعيان - لابن خلكان ج 2 / ص 511 ) . وذكرت كذلك في كتاب ( شذرات الذهب 1 / 188 ) . ( 5 ) أحمد بن أبي الحواري : أحد العلماء الزهاد المشهورين ، أصله من الكوفة ، وسكن دمشق ، وكان يلقب بريحانة الشام ، له أحوال صالحة وكرامات واضحة ومن المحدثين ، توفي سنة 249 ه ( سير أعلام النبلاء - الذهبي ، ج 12 / 85 ) . ( 6 ) ابن السماك واعظ الرشيد : سبقت ترجمته . ( 7 ) هارون : أي هارون الرشيد الخليفة العباسي الرابع ( سبقت ترجمته ) . ( 8 ) الضبع : وسط العضد ، أو العضد كله . ( 9 ) الدهليز : المسلك الطويل الضيق .